بدر واقف قدام باب شقة نهال، قلبه بيدق كأنه طبلة حـ,ـرب، وإيده بتترعش وهو بيخبط خبطات واطية ومكسورة.
نهال فتحت الباب، كانت لسه لابسة أسود، وعينيها من كتر العياط بقت بلون الدم. أول ما شافته، حركت إيدها عشان تقفل الباب، بس بدر حط رجله بسرعة ومنعها، وصوته طلع مبحوح:
— “لو هتقفليه في وشي، اقطعي رجلي الأول يا نهال.. أنا مستاهلش غير كدة.”
نهال بصتله بجمود وقالت بصوت ميت:
— “عايز إيه تاني يا ابن عمي؟ متهيألي قولت كل اللي في قاموس الإهانة.
مفيش حاجة تانية لسه متقالتش.”
بدر دخل الشقة ببطء وقفل الباب وراه، ووقف قدامها والمسافة بينهم مفيش، وطى راسه لأول مرة في حياته وباس إيدها بدموع حقيقية:
— “أنا حيوان يا نهال.. حقك عليا الغضب و الغيرة غموا عيني. الحقيقة ظهرت، وسلمى اتفضحت ورميتها برا البيت هي وأمها. بس الوجع اللي في قلبي مش هيروح غير لما تقوليلي إنك مسمحاني
“الغيرة؟ غيرة إيه اللي تخليك تطـ,ـعن في عرضي قدام الناس؟
أنت لو كنت بتعتبرني “لحمك” بجد، كنت سألتني على الأقل قبل ما تنطق كلمة واحدة.”
بدر رفع عينه وبص لها بنظرة خلت نهال تتسمر مكانها، نظرة مكنش فيها “أخو جوزها”، كان فيها “الراجل” اللي دايب في هواها:
— “أنا مغرتش عليكي عشان أنتِ عرضي وبس يا نهال.. أنا غرت عليكي عشان أنتِ روحي. أنا كنت بتقطع من جوه لأني حاسس إني بخون أخويا في كل مرة ببصلك فيها وأقول “يا بختك يا حامد”. أنا بحبك يا نهال!” بقلم نورهان العشري
نهال رجعت لورا خطوة، الصدمة خلت لسانها يتلجم:
— “أنت..
أنت بتقول إيه؟”
بدر قرب منها، وصوته بقى همس مليان شجن:
— “بقول اللي كاتمه في قلبي من قبل ما تلبسي الدبلة لحامد. كنت بقول بكره أنسى، بكره تخرج من قلبي.. ولما مات، قولت هصونها بعيني بس مش هلمسها عشان مخونش اللي راح. بس نار الغيرة اللي شوفتيها يوم اللي حصل كانت نار حب محبوسة بقالها سنين، وانفجرت في الوقت الغلط.”
بدر قعد على الكرسي اللي جنبه وكأنه فقد طاقته:
— “أنا مش عايزك تسامحيني عشان خاطر العيال، ولا عشان خاطر أمي. أنا عايزك تسامحيني عشان أنا من غيرك ولا حاجة.
أنا مستعد ألف بيكي الحارة كلها وأقولهم “نهال ست الستات وجزمتها فوق راسي”، بس وافقي تكوني ليا يا نهال.. وافقي تداوي الراجل اللي اتكسر بذنبه.”
نهال فضلت واقفة مكانها، الدموع بتنزل بهدوء، بس المرة دي مكنتش دموع وجع، كانت دموع “راحة”. حست إن الحمل اللي شايلاه لوحدها في صمت السنين دي بدأ يتشال.
قربت منه ببطء، وحطت إيدها على كتفه بحذر:
— “كنت مستنية الكلمة دي يا بدر.. بس كنت مستنياها وأنا مرفوعة الراس، مش وأنا مكسورة كدة.”
بدر قام وقف ورفع راسها بإيده، وبص في عينيها وقال بعهد رجالة:
— “راسك هتفضل مرفوعة للسما، وهتكوني ست البيت ده وبكره الصبح الحارة كلها هتعرف إن فرح “بدر ونهال” الخميس الجاي، واللي يقدر يفتح بقه بكلمة، يجي يواجهني.”
نهال ابتسمت وسط دموعها، وبدر ضحك لأول مرة من قلبه وهو بيهمس لها:
— “داري شعرك بقى يا نهال.. عشان المرة دي لو حد شاف خصلة منه، مش هزعق لك أنتِ.. أنا هحرق الحارة باللي فيها!”
الحارة كلها كانت متزينة بالأنوار، وصوت الزغاريد طالع من كل شباك. “بدر” كان واقف قدام مراية المحل، لابس بدلة سوداء شيك جداً، وشه كان منور بابتسامة لأول مرة الناس تشوفها عليه من سنين. “رشيد” كان واقف جنبه، بس المرة دي بكسرة نفس واعتذار حقيقي، وبدر بقلبه الكبير قبل اعتذاره وقرر يفتح صفحة جديدة.
في البيت الكبير، كانت “سميحة” بتشرف على “نهال” وهي بتلبس فستان فرح أبيض رقيق، محتشم وزي القمر. نهال كانت قاعدة قدام المراية، ملامحها هادية وجميلة، والضحكة مش مفارقة وشها وهي شايفة ولادها (يوسف و مروة) لابسين بدل صغيرة وعمالين يتنططوا حواليها: “ماما وبابا بدر هيتجوزوا!”.
بقلم نورهان العشري
و جت لحظة كتب الكتاب المأذون قعد في وسط الصالة، وبدر حط إيده في إيد عم نهال. أول ما المأذون قال جملة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، الحارة كلها اتهزت بصوت الفرحة.
بدر قام وقف وراح لنهال اللي كانت واقفة بكسوف. شال الطرحة عن وشها وباس راسها قدام الكل، وهمس في ودنها بصوت كله حنية:
— “مبروك عليا روحي اللي ردتلي يا نهال.. النهاردة بس أقدر أقول إني بدأت أعيش.”
نهال رفعت عينها وبصتله بحب:
— ” ربنا يخليك ليا وللعيال وميحرمنيش من حنيتك أبدًا.”
نزلوا السلم وإيدهم في إيد بعض، والعيال ماسكين في أطراف الفستان والبدلة. الزفة بدأت بالمزمار البلدي، وبدر كان ماشي وسط الحارة وكأنه ملك، شايل ابنه الصغير على كتفه وماسك إيد نهال بالإيد التانية، كأنه بيقول للعالم كله: “دي ملكي.. ودي دنيتي”.
قعدوا في “الكوشة” في وسط الحارة، وسميحة كانت بتوزع الشربات وهي بتبكي من الفرحة وتدعي:
— “ربنا يسعدكم يا ضنايا.. البيت نور بيكي تاني يا نهال، وبدر أخيراً لقى الراحة اللي كان بيدور عليها.”
بدر ميل على نهال وسط الدوشة والأغاني، وطلع علبة قطيفة صغيرة فيها خاتم دهب مرسوم عليه “قلب”، لبسهولها وقال بضحكة فيها شقاوة:
— “الخاتم ده علامة.. إنك محبوسة جوه قلبي للأبد، ومفيش خروج، فاهمة؟”
نهال ضحكت من قلبها وردت بدلع:
— “وأنا راضية بالحكم ده يا سيد الرجالة.. ومش عايزة أخرج أبداً.”
وانتهت الليلة والكل فرحان، والظلم اللي كان بيحاول يفرقهم بقى مجرد ذكرى بعيدة، وبدأوا حياتهم في “بيت العيلة” بس المرة دي.. كزوج وزوجة بيجمعهم حب ملوش نهاية.
تمت
اكتمال البدر حكايات نورهان العشري
