بدر مسح على وجهه بتعب:
— “تسلم إيدك يا سلمى، ماليش نفس دلوقتي. بعد إذنكم هطلع أرتاح شوية.”
بدر سابهم وطلع السلم، بس سلمى مراحتش قعدت، فضلت واقفة عند طرف الصالة اللي بيكشف طرف السلم وممر الدور التاني. شافت “نهال” وهي طالعة شقتها، كانت ماشية ببطء والزعل باين في عينيها.
بدر وقف قدامها فجأة على السلم، ونهال حاولت تعدي من جنبه من غير ما تبص له، بس هو مد إيده ومسك طرف عبايتها بلهفة:
— “نهال.. استني بس.”
نهال وقفت من غير ما تلف وشها، وصوتها كان مخـ,ـنوق:
— “عايز إيه تاني يا بدر؟ متهيألي قلت كل اللي عندك وزيادة امبارح.”
بدر وطى صوته خالص، وبقت نبرته فيها رجاء:
— “حقك عليا..
والله ما كنت أقصد أوجعك. أنا بس.. أنا دمي بيغلي لما بشوف حد بيبص لك، مبقاش شايف قدامي. شعرك ده.. وضحكتك دي.. أمانة في رقبتي، وبغير عليكي من الهوا الطاير.”
نهال لفت له وعينها غرقانة دموع:
— “الغيرة مش بالسـ,ـكاكين يا بدر. أنت جـ,ـرحتني في كرامتي.”
بدر قرب خطوة، وصوته بقى همس:
— “والله ما تهوني عليا أبداً. امسحي دموعك دي، وصدقيني محدش يقدر يمس كرامتك أنا اللي هقفله . انا أكيد مش محتاج أقولك اني سندك يا نهال.. حتى لو مش عاجبك.”
سلمى كانت واقفة ورا الباب زي الصنم، وضوافرها بتنغرز في كف إيدها من كتر الغيظ. سمعت الهمس، وشافت نظرة “اللهفة” اللي في عين بدر لنهال، النظرة اللي عمره ما بصها ليها هي. حكايات نورهان العشري
رجعت قعدت جنب أمها ووشها بقى لونه أصفر، وعقلها بدأ يصورلها صور بشعة. همست لنفسها بحقد:
— “بقى بتصالحها يا بدر؟ وبتغير عليها من الهوا؟ ماشي.. ولاد حامد دول اللي رابطينك بيها، والست “الخضرة الشريفة” دي لازم تقع من نظرك ونظر الحارة كلها.”
منال لاحظت تغير حال بنتها، مالت عليها وهمست:
— “مالك يا بت يا سلمى؟ وشك جاب ألوان ليه؟”
سلمى ردت بفحيح:
— “مفيش يا ماما.. بس الظاهر إن البيت ده فيه “عقربة” لازم تتداس بالرجل عشان بدر يفوق لنفسه. نهال دي مش هتقعد مبقاش ينفع تقعد في البيت دا اكتر من كدا ★★★
الدنيا كانت ليل، وهدوء البيت مبيقطعهوش غير صوت الهوا اللي بيخبط في شجر الجنينة الصغيرة. بدر كان قاعد في الصالة لوحده، والبيت كله نام، وقدامه كشوفات الحسابات بتاعة المحل، بس عينه مش شايفة الأرقام.. عينه شايفة صورة نهال وهي بتعيط.
فجأة، سمع صوت “خروشة” خفيفة، وريحة بخور هادية بدأت تفوح. نهال كانت نازلة من شقتها، لابسة عباية بيتي واسعة ومحتشمة، ولابسة طرحة قطن لافاها بتلقائية. شافت بدر لسه قاعد، فاترددت ترجع، بس هو لمح خيالها.
بدر بصوت واطي ودافئ:
— “تعالي يا نهال.. لسه صاحية ليه؟”
نهال قربت بخطوات هادية، وهي باصة في الأرض:
— “قلت أنزل أعمل كوباية ينسون، العيال كانوا مقلقين شوية ولسه نايمين. أنت لسه مخلصتش شغل يا بدر؟”
بدر ساب القلم من إيده وسند ضهره لورا، وعينه مركزة في ملامحها اللي ضي السهاري مبين رقتها:
— “الشغل مبيخلصش.. بس قعدتي هنا هي اللي بتريح بالي. تعالي اقعدي عايز اتكلم معاكي.”
قعدت نهال على طرف الكرسي البعيد، فبدأ بدر كلامه
“لسه زعلانه مني؟”
نهال رفعت عينها وبصتله نظرة فيها عتاب مخلوط بحنية غريبة:
— “أنا مزعلش منك يا بدر.. أنا بس بخاف. بخاف الناس تفهم حنيتك عليا غلط، وأنت عارف كلام الناس مبيرحمش.”
بدر ميل عليها شوية، وصوته بقى فيه بحة رجولية هادية:
— “الناس مش شايفين اللي أنا شايله يا نهال. هما شايفين الظاهر، بس أنا اللي عارف مين السند ومين اللي البيت ده من غيره يبقى جدران فاضية. أنا لما بزعق، بيبقى خوف عليكي.. مش تسلط. أنتِ عندك أغلى حاجة سابها أخويا، وأنتِ نفسك.. ”
سكت بدر ثانية، وكأن الكلمة كانت هتطلع بس لجمها في آخر لحظة، وكمل:
“.. وأنتِ نفسك غالية عندي قوي، يمكن أكتر ما تتخيلي.”
نهال حست بقلبها بيدق بسرعة، والتوتر خلاها تفرك في طرف طرحتها. بدر مد إيده “بالغلط” وهو بيعدل كوباية الشاي، فلمست أطراف صوابعه إيدها لثانية واحدة. الثانية دي كان فيها كهربا خلت نهال تتنفض بس متبعدش إيدها.
بدر بابتسامة خفيفة وساحرة:
— “الشاي برد.. زي ما قلبي كان برد قبل ما تنزلي. كلي لقمة يا نهال، وشك دبلان من كتر التفكير. طول ما أنا في البيت ده، متخافيش من حد..
ولا حتى مني.”
تابع الجزء الثاني بقلم نورهان العشري